الشيخ محمد رشيد رضا
71
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا ، رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ * * * بعد ما كان من إيمان السحرة كان أول ما يخطر في البال ، ويتوجه اليه السؤال ، ما فعل فرعون وما قال ؟ وهاك البيان قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ؟ قرأ حفص آمنتم بصيغة الخبر ويحتمل فيه تقدير همزة الاستفهام فهو قياسي يعتمد في فهمه على صفة الأداء وجرس الصوت فيه . وبذلك يوافق سائر القراء في المعنى فهو عندهم استفهام إنكاري توبيخي أثبت همزته حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وروح عن يعقوب ، وروي في اثباتها تحقيق الهمزتين بالنطق بهما وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين ، وقري بذلك في أمثالها . والمعنى أآمنتم بموسى أو برب موسى وهارون قبل أن آذن لكم وآمركم بذلك ؟ وفي سورة طه ( قالَ آمَنْتُمْ لَهُ ) والضمير فيه لموسى قطعا لان تعدية الايمان باللام تضمين يفيد معنى الاتباع والخضوع المعنى : وأآمنتم به متبعين له إذعانا لرسالته قبل أن آذن لكم ؟ ولذلك يتعين استعمال هذا التضمين في الايمان بالرسل والاتباع لهم كقوله تعالى حكاية عن فرعون ( أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ؟ ) وقد اقتبس المعري هذا الاستدلال في قوله أعبّاد المسيح يخاف صحبي * ونحن عبيد من خلق المسيحا ومثله قوله تعالى في سورة الشعراء حكاية عن قوم نوح عليه السّلام ( أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ؟ ) وقوله حكاية عن كفار قريش ( وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) وليس منه قوله تعالى حكاية عن اخوة يوسف ( وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ) بل هذه لام التقوية أي وما أنت بمصدق لنا . وقد بين فرعون علة إيمانهم بما ظنه أو أراد أن يعتقده قومه فيهم فقال مواصلا تهديده إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها أي ان هذا الصنيع الذي صنعتموه أنتم وموسى وهارون بالتواطؤ والاتفاق ليس الا مكرا مكرتموه في المدينة بما أظهرتم من المعارضة والرغبة في الغلب عليه مع إسرار اتباعه بعد ادعاء ظهور حجته ، زاد في سورة طه ( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي